الشيخ حسن الجواهري
195
بحوث في الفقه المعاصر
والدوافع الأساسية التي تتحكّم في الفرد ، لا يمكن للمجتمع الإنساني أن يظفر بكماله الاجتماعي . وهذه الامكانات للتوفيق بين المصالح الاجتماعية والدوافع الفردية لا يمكن أن يوجدها العلم ، لأن العلم هو أداة لكشف الحقائق الموضوعية في مختلف الحقول ويفسِّر الواقع تفسيراً محايداً يعكسه بأعلى درجة ممكنة من الدقة والعمق . فهو يعلمنا مثلا في المجال الطبيعي أن استعمال مادة كيمياوية معينة يؤدي إلى تحكّم مرض خطير بحياة الشخص ، والدافع الذاتي في الإنسان يكفي لابعاد الإنسان عن تلك المادة الخاصة التي تؤدي إلى ذلك المرض الخطير لأن المرض الخطير يناقض مصلحة الفرد الخاصة . كما لا يمكن للدولة أن توجد تلك الامكانات بالقوة لأن الجهاز الحكومي منبثق عن المجتمع نفسه فالمشكلة الموجودة في المجتمع ( التي هي تحكّم الدافع الذاتي وغلبته على المصالح الاجتماعية ) هي موجودة في جهاز الدولة الحاكم . نعم الدين هو الذي يحلّ المشكلة حيث وفّق بين الدافع الذاتي للفرد والمصلحة الاجتماعية العامة فجعل لمن يتخلّى عن دوافعه الذاتية لأجل المصلحة الاجتماعية العامة عوضاً يستلمه في حياته الأخروية وهو الجنّة التي فيها النعيم الدائم ، فالتضحية عن المصلحة الذاتية المحدودة تؤدي إلى نعيم دائم ، وبهذا فقد خلق الدين في الإنسان المتدين نظرة جديدة لمصالح الفرد وأوجد مفهوماً للربح والخسارة أرفع من مفهوم الربح والخسارة التجاري المادي ، إذ جعل الخسارة لحساب المجتمع سبيل للربح ، وجعل حماية مصالح الآخرين تعني ضمانة حماية مصلحة الفرد في حياة سمى من حياتنا هذه وهي الآخرة ، وبهذا فقد ربط الدين بين المصلحة الاجتماعية العامة